فصل: تفسير الآيات (15- 23):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (15- 23):

{يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (15) إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (16) وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (17) وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ (19) وَلا الظُّلُماتُ وَلا النُّورُ (20) وَلا الظِّلُّ وَلا الْحَرُورُ (21) وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) إِنْ أَنْتَ إِلاَّ نَذِيرٌ (23)}.
التفسير:
قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ}.
كشفت الآيات السابقة عن وجه الأرباب التي يتعبد لها المشركون، وأنها لا تسمع دعاء، ولو سمعت ما استجابت لداعيها، لأنها لا تملك شيئا.
وفى قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ} دعوة للناس أن يتجهوا بحاجاتهم إلى من يملك كل شيء، ومن بيده الخير كله.. والناس جميعا في حاجة دائمة إلى من يعينهم، ويقضى حوائجهم، وهم يتوسلون إلى هذا بكثير من الوسائل، ومنها عبادة الأصنام، والملائكة والجنّ، والملوك وأصحاب الجاه والسلطان، يبغون بذلك الخير منهم.. وكلهم إنما يتناولون ما بين أيديهم من جاء، أو سلطان، أو مال- من عطاء اللّه.. إنهم فقراء إلى اللّه.
إن حبس عنهم العطاء، كانوا أفقر الفقراء، وأضعف الضعفاء.. وإذن فالناس جميعا- غنيّهم وفقيرهم- فقير إلى اللّه.. {كُلًّا نُمِدُّ هؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطاءِ رَبِّكَ وَما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً} [20: الإسراء] وقوله تعالى: {وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} حثّ للناس على الطلب من اللّه، والرغب إليه فيما عنده.. فإنه سبحانه غنىّ، لا تنفذ خزائنه، ولا تنقص بالعطاء أبدا.. {وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ} [32: النساء] فهو سبحانه يستجيب لمن سأله، ويعطيه ما شاء من فضله.. وهو سبحانه {حميد} أي يحمد لعباده ما يلقون به عطاءه، من حمد وشكر، أيّا كان هذا العطاء، قليلا أو كثيرا.
إنه فضل من فضل وإحسان من إحسانه.. وإن من لا يشكر على القليل لا يشكر على الكثير.
قوله تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي إن من فقركم إلى اللّه، أيها الناس، هو احتياجكم إليه في حفظ حياتكم.
فهو سبحانه الذي أوجدكم، وهو سبحانه الذي يحفظ عليكم وجودكم، كما يحفظ وجود الموجودات كلها: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ} [41: فاطر] وفى الآيتين تهديد للناس، إذا هم لم يؤمنوا باللّه، ويحمدوا له ما هم فيه من فضله وإحسانه.. واللّه سبحانه وتعالى يقول: {وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [56- 58 الذاريات].. فإذا لم يؤدّ الناس واجب الشكر للّه، ولم يقوموا على الوظيفة التي خلقهم اللّه لها، لم يكونوا أهلا ليشغلوا هذا المكان، وكان أولى أن يشغله غيرهم، ممن يعرف لهذا المكان قدره، ويؤدى المطلوب منه فيه.. وفى هذا يقول اللّه تعالى: {وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ} [38: محمد] {وَما ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ} أي ليس عسيرا على اللّه أن يستبدل خلقا بخلق، وعالما بعالم، وكيف وهو الخالق لكل شيء؟
قوله تعالى: {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ} جاءت هذه الآية تعقيبا على الآيتين السابقتين اللتين حملتا تهديدا للناس بإفنائهم جميعا، إذا هم لم يوفوا حق اللّه عليهم، من إيمان به وشكر له.
وفى هذه الآية تفرقة بين الناس، الذين وضعتهم الآيتان السابقتان وضعا واحدا في مقام التهديد.
فالناس، وإن كانوا مجتمعا واحدا، هم أشبه بالجسد الواحد، يتأثر، ويشقى بالأعضاء الضعيفة، أو الفاسدة فيه، إلا أنهم من جهة أخرى أفراد متميزون.
كلّ منهم له وجوده الذاتي، وحياته الخاصة به، وحسابه الذي يقوم عليه ميزانه في مقام الخير والشر على السواء.. فإذا نظر إلى الإنسان من خلال المجتمع، كان عليه أن يكون عضوا صالحا فيه، ثم كان عليه أيضا أن يعمل على إصلاح ما يظهر من فساد في مجتمعه.. ففى ذلك حماية له من عدوى الفساد، ومن ريحه الخبيثة، أن تفسد عليه حياته.
ثم إذا نظر إليه من خلال ذاته- صالحا كان أو فاسدا- كان التعامل معه في مقام الحساب والجزاء على أساس شخصى.. فله إحسانه كله، وعليه إساءته كلها.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:- {وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى} والوزر: الإثم والذنب.
والوازرة. حاملة الوزر، والمراد بها ذات الإنسان.
والمعنى، أنه لا يحمل إنسان ذنب غيره، ولا يعينه في حمله، وإن كان حمله خفيفا، وحمل غيره ثقيلا، ولو كان حامل هذا الحمل الثقيل قريبا، كأب، أو ابن، أو زوج، أو أخ لمن يدعوه إلى حمل بعض ما حمل.. كما يقول سبحانه بعد هذا:
{وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى} هذا هو ميزان الحساب للناس.. لكل إنسان عند اللّه، جزاء ما عمل.
قوله تعالى:- {إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ} أي إنما ينفع هذا البيان، وذلك النذير، من يخشى اللّه بالغيب، ويعرف جلاله وبأسه، من غير أن يراه، وإنما يرى آثاره ويشهد جلال قدرته، وعلمه، وحكمته فيما أبدع وصور في هذا الوجود.. وهذه الخشية إنما تكون عن استعداد فطرى، يقبل التعامل مع العالم غير المحسوس، عالم الغيب.. فهناك كثير من الطبائع قد تأثرت بالعالم المادي، وتشكلت ملكاتها على قوالبه، فلا تقبل التعامل إلا مع الماديات.. أما ما وراء المادة فإنها ترفض التسليم به، وتأبى التعامل معه.
وفى قصر الإنذار على الذين يخشون ربهم بالغيب، مع أن الرسول نذير وبشير للناس جميعا- في هذا إشارة إلى أن الذين ينتفعون بهذا النذير، هم الناس، وهم أهل للخطاب، وأما غيرهم، فلا حساب لهم ولا وزن في هذا المقام.
قوله تعالى: {وَأَقامُوا الصَّلاةَ} معطوف على قوله تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ} وكان النظم يقضى بالتوافق في وحدة الزمن بين الفعلين المتعاطفين، فيكونان مضارعين أو ماضيين،.. ولكن جاء الحديث عن الخشية بالفعل المضارع، الذي يحمل زمنا متجددا، على حين جاء الحديث عن إقامة الصلاة بالفعل الماضي، الذي يقطع الفعل عن المستقبل، وهذا لا يكون في القرآن الكريم إلا عن حكمة، وتقدير.
والذي يبدو لنا من هذا- واللّه أعلم- أن الخشية للّه بالغيب، لا تكون إلا عن طبيعة تتقبل التعامل بما وراء المادة، كما أشرنا إلى ذلك من قبل، أما الطبيعة التي تلبست بها المادة، وسيطرت عليها، فلا يكون منها نظر إلى ما وراء المادة، ولا تقع منها خشية للّه، لأنها لا ترى اللّه، ولا تشهد جلاله، وسلطانه.. فالإنذار لا يفيد، ولا يؤثر، إلا إذا صادف طبيعة من شأنها أن تتقبل الإيمان بما وراء المادة، وعن هذه الطبيعة تصدر الخشية من اللّه، في كل حال، وفى كل موقف يقفه صاحب هذه الطبيعة، فيشهد في أي حال من أحواله، وفى كل موقف من مواقفه- جلال اللّه، وسلطان اللّه، فيخشاه ويتّقى حرماته، ولا يجد الجرأة على تعدّى حدوده.
ومن جهة أخرى، فإن هذه الطبيعة التي من شأنها أن تخشى اللّه بالغيب، وتتوقّى الوقوع في الإثم- هذه الطبيعة لا يقيمها على الطريق القويم، ولا يجلو بصيرتها جلاء ترى على ضوئه ما للّه- سبحانه- من كمال، وجلال، وسلطان- إلا الصلاة، وإقامتها على وجهها الصحيح.. فهى التي تعطى الخشية مضمونا ذا قيمة مؤثرة في سلوك الإنسان، كما أن الخشية هي التي تعطى الصلاة قدرا وأثرا.. فالصلاة من غير خشية لا ثمرة لها، ولا خير منها.. والخشية التي لا تغذّيها الصلاة وتنميها، هي زرع حبس عنه الماء، فلا يلبث أن يذوى، ويذبل، ثم يجفّ ويموت فمن الخشية للّه، أن تقام الصلاة، فمن لا يخشى اللّه لا يقيمها، ومن أقامها على غير خشية، فلا نفع له منها.
فخشية اللّه، هي أساس الإيمان، وملاك كل عمل يعمله المؤمن باللّه.
فإذا خلا قلب الإنسان من خشية اللّه، لم يكن ثمة إيمان، ولم يكن ثمة عمل يقوم في ظل هذا الإيمان.
وفى الحديث الشريف: «لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر شاربها وهو مؤمن».
فالمراد بنفي الإيمان هنا، هو نفى الخشية من اللّه، عند ارتكاب هذه المنكرات.. فلو كان الإنسان المواجه لهذه المنكرات على خشية من اللّه ما أقدم على اقتراف واحدة منها.
فالخشية المطلوبة من المؤمن، خشية دائمة، متجددة.. ومن هنا كان التعبير عنها بفعل الاستمرار والتجدد.
أما إقامة الصلاة.. فهى عمل من أعمال المؤمن، لا يقوم إلا في ظل من خشية اللّه، ولا يثمر ثمرة طيبة إلا إذا كان عن فيض منها،. ومن هنا ارتبطت إقامة الصلاة بها، وكانت حالا من أحوالها، أو أحوال أهلها.
واختصت الصلاة بالذكر لأنها عمود الدين، فمن أقامها فقد أقام الدين.
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ} [11: يس] وقوله سبحانه: {ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ} (2- 3: البقرة) قوله تعالى: {وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ}.
التزكى: التطهر، من الشرك، والكفر، ومن الآثام والمنكرات.
أي ومن تطهر من الشرك والكفر، وجنّب نفسه التلوث بأقذار الآثام والمنكرات، فإنما يتطهر لنفسه، حيث تظهر آثار ذلك عليه، وتكون عائدة هذا التطهر راجعة إليه، يوم يعرض على ربه نقيا، طاهرا، فيدخل في رضوان اللّه مع الطيبين الطاهرين.
الإيحاء النفسي.. وأسلوب الدعوة:
قوله تعالى: {وَما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ وَلَا الظُّلُماتُ وَلَا النُّورُ وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ وَما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَلَا الْأَمْواتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ}.
فى هذه الآيات عرض لما بين الأشياء ونقيضها من تفاوت بعيد، واختلاف شديد.. وأن الشيء ونقيضه لا يستويان أبدا.
فالأعمى.. والبصير.. لا يستويان.. هذا أعمى، وذاك مبصر.
والظلمات.. والنور. لا يستويان كذلك. هذه ظلمات، وذاك نور.
والظل.. والحرور.. لا يستويان أيضا.. هذا ظل بارد، وذاك سموم حار.
والأحياء.. والأموات.. على رفى نقيض.. هؤلاء أحياء، وأولئك أموات هامدون.
ويلاحظ هنا أمران:
أولهما: جمع الظلمات، وإفراد النور.
وذلك لأن الظلمات هي ظلال أشباح، داخلة إلى عالم النور، إذ كان العالم كله نورا من نور اللّه، كما يقول سبحانه: {اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} فالعالم كيان واحد من نور، وهذا الظلام الذي يرى في العالم، إنما هو من ظلال تلك الأشباح الكثيفة الداخلة عليه.
ومن جهة أخرى، فإن الذي يعيش في النور، إنما يأخذ طريقا واحدا فيه إلى غايته، أما الذي يعيش في الظلمات، فإنه لا يعرف له طريقا.. بل يتحرك مضطربا على طرق شتى.
وثانيهما: تقديم الظل على الحرور، والأحياء على الأموات.. وكان النظم يقضى بتقديم الحرور على الظل، والأموات، على الأحياء، لتتسق ألوان الصورة كلها، فيكون الأسود المعتم (الأعمى، والظلمات، والحرور، والأموات)- في جانب، والأبيض المشرق (البصير، والنور، والأحياء، والظل)- في جانب آخر! فما حكمة هذا؟.
نقول- واللّه أعلم- إن الجواب على هذا من وجهين:
أولا: أنالظل هو نعمة، في مقابلة الحرور، وكذلك الحياة نعمة، في مقابلة الموت.
فقدمت هنا نعمتان، على حين قدمت قبلهما آفتان، هما العمى والظلمات.
وفى هذا التوزيع توازن لألوان الصورة، حيث جاءت هكذا:
آفتان تقابلان نعمتين.. العمى والبصر، والظلام والنور.
ونعمتان تقابلان آفتين.. الظل والحرور، والحياة والموت.
وثانيا: أن الأصل في نفى الاستواء- وهو التوازن بين الشيئين- أن يقع أولا على الناقص منهما، فيقدّم المفضول على الفاضل، كما في قوله تعالى: {لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ} (29: الحشر) وقوله سبحانه: {لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} (95: النساء) هذا هو الاستعمال في أصل اللغة، فإذا خرج الاستعمال عن هذا الأصل، كان ذلك لغاية يراد لها.. كما في قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ} [9: الزمر] وذلك حين لا يكون المراد هو تقرير حكم في المفاضلة بين أمرين، وإنما المراد هو الإلفات إلى أن الأمور ليست على وجه واحد، وإنما لكل أمر وجهان.. وجه، وضدّ لهذا الوجه.
مثل الوجود والعدم، والحق والباطل، والإيمان والكفر، والنور والظلام، والظل والحر، والعذب والملح.. وهكذا.. والمطلوب من الخصم أن يعترف به هنا، هو أن الشيء الذي يمسك به، ليس هو كل الشيء، وإنما يقابله نقيضه، الذي يجب أن ينظر فيه، ويقابل الوجه الذي معه، على الوجه الآخر، الذي لهذا الشيء.
فإذا كان المشركون يمسكون بالشرك، ولا يرون أن هناك معتقدا غيره-
فيلعلموا أن هناك وجها، آخر لابد أن يقابل هذا الشرك، دون التفات إلى أيهما الفاضل وأيهما المفضول.. إن الأمور لا تكون إلا على هذا الازدواج.
الشيء وضده.. وليس الشرك الذي بين أيديهم بدعا من الأشياء.
فليبحثوا عن الوجه الآخر المقابل له.. فإذا فعلوا، كانت المرحلة الثانية من مراحل النظر، وهى أن يوازنوا بين ما معهم من شرك، وبين الوجه الآخر المقابل له، وهو الإيمان.
وقد جاء الأمران الأولان على الأصل، فقدّم فيهما المفضول على الفاضل، على حين جاء الأمران الآخران على غير الأصل، فقدم فيهما الفاضل على المفضول.. وبهذا أخذ كل من الفاضل والمفضول مكانه في الصورة على قدم المساواة.. لأن الأمر- كما قلنا- لم يكن يراد منه المفاضلة، وإنما المراد هو إثبات تلك الحقيقة التي لا خلاف عليها، وهى الازدواج في الأشياء، والتقابل بين الشيء وضده.
وفى مجيء المقطع الأول من الصورة، على أصل الوضع في اللغة، الذي يتفق مع مجرى التفكير، وذلك بتقديم المفضول على الفاضل، في مقام الموازنة والمفاضلة بينهما- في هذا التقاء مع المشركين على أمر لا خلاف عليه، بين مؤمن وغير مؤمن.. وهذا من شأنه ألّا يصدم تفكيرهم، ولا يخرج بهم عن مألوفهم، الأمر الذي يدعوهم إلى الاستماع إلى هذا الذي يعرض عليهم، وإلى النظر فيه.
فإذا وقع مقطع هذا الحديث من أنفسهم هذا الموقع، واجههم المقطع الآخر من الصورة، وهو مقطع قد انقلب فيه الوضع، وانعكست فيه مواقع الأمور، فقدّم ما حقه التأخير، وأخّر ما حقه التقديم، وفى هذا إشارة إلى أمرين:
أولهما: أن المشركين قد انعكست في أنفسهم حقائق الأشياء، وأنهم إنما ينظرون إلى الأمور، وهم في وضع منكوس، وأنهم لو اعتدلوا في وضعهم لرأوا هذا المقطع من الصورة على حقيقته.. إنهم يعيشون في الحرور ويحسبونه الظلّ، وهم أموات، ويحسبون أنهم أحياء.. هذا هو وضعهم، فإذا شكّووا في هذا فلينظروا في هذا المقطع من الصورة التي بين أيديهم، وسيرون أن الحرور أفضل من الظل، وأن الميت أكثر حياة من الحىّ.. وبهذا ينكشف لهم الوضع المقلوب، الذي ينظرون فيه إلى الأشياء.
وثانيهما: أنهم لو أرادوا أن يقيموا الصورة كلها على وضع سليم، لكان عليهم أن يغيّروا بأيديهم هذا الوضع الذي أخذه المقطع الثاني من الصورة، وأن يجعلوه موافقا للوضع الأول، فيقدموا الحرور على الظل، والأموات على الأحياء، وبهذا يكون الحكم على المطلوب صادرا منهم، فتجيء الصورة العامة هكذا:
{وما يستوى الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الحرور ولا الظل ولا الأموات ولا الأحياء}.
إنها عملية تدعو إلى تحريك العقل، وإلى أن يعمل عملا جادّا على تسوية هذه المتناقضات.. فإذا اتجهت عقولهم إلى هذا الاتجاه، كان من طبيعة الأمور ألّا ترصى عقولهم بهذه المتناقضات، التي تقوم في كيانهم، حيث يؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان.. وهكذا تجيء آيات اللّه، بهذه الإيحاءات النفسية، التي تدخل العقل في رفق ولطف، إلى مواطن الهدى، ومواقع الخير.
وفى قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ}.
إشارة إلى أن الناس فريقان:
فريق يسمع آيات اللّه ويستجيب لها، وفريق لا يسمع ولا يستجيب.
هذه بديهة تنطق بها الحقيقة المنتزعة من المقدمة السابقة، التي عرضت فيها هذه الأمور الأربعة.
وفى إسناد الإسماع إلى اللّه تعالى، إشارة إلى أن هذا الأمر كلّه بيد اللّه، وكل شيء معلق بمشيئته: {مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ} [39: الأنعام]:
وقوله تعالى: {وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} تيئيس للمشركين الذين استولى عليهم الشرك، أن يكونوا في السامعين، وإراحة للرسول من بذل الجهد في سبيل إسماعهم.. إنهم أموات.. وليس من عمل الرسول أن يسمع الأموات.. {إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} (80: النمل) {إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ}.
فهذا هو عمل الرسول.. إنه نذير، ينذر هؤلاء الضالّين، ويخوفهم عذاب اللّه، وليس من شأنه أن يفتح آذانهم التي أصمها اللّه عن أن تسمع كلماته.. وقد اقتصر هنا على جانب من رسالة الرسول، وهو الإنذار، لأن الخطاب في مواجهة المشركين، الذين لن يؤمنوا أبدا، والذين ليس لهم إلا ما تحمل إليهم النذر من عذاب، وبلاء.